في عالم التدقيق المالي والاستقصاء الجنائي الرقمي (Digital Forensics)، تُعتبر السجلات وقواعد البيانات الشاهد الصامت الذي لا يخطئ. ولكن عندما تتورط مؤسسة مالية بحجم "بنك الرياض" في خرق أمني يمس بيانات عملائها، يبدو أن استراتيجيتهم المفضلة تتحول من "الشفافية والامتثال" إلى "الإنكار الصريح" (Blatant Denial)، حتى لو كان ذلك يعني تقديم إفادات متناقضة ومضللة للجهة الرقابية الأعلى في البلاد: البنك المركزي السعودي (SAMA).
إن مراجعة ردود البنك الرسمية، ومقارنتها بكشوفات الحساب المستخرجة من أنظمتهم (Core Banking)، تكشف عن فجوة مرعبة بين ما يدعونه وبين ما تثبته لغة الأرقام.
📜 تفكيك الرد الرسمي (The Official Denial)
بالنظر إلى الدليل المرفق في ملف "Screenshot 2025-08-01 050145 رد البنك لساما 1 8 2025 .png"، نجد رد بنك الرياض الرسمي الموجه إلى إدارة حماية العملاء في البنك المركزي، والذي ينص على:
"تم التواصل مع العميل وإفادته أنه لم يتم تنفيذ عمليات على البطاقة وتم التوضيح أنه يوجد تعاملات سابقة مع التاجر Amazon حسب الموضح في كشف الحساب المرفق وتم إعادة إصدار البطاقة بتاريخ 26/6/2025..."
هذا الرد يمثل محاولة مؤسسية لتبسيط كارثة اختراق البيانات، وتحويلها إلى مجرد "اعتراض على عملية" (Objection on transaction). البنك يدعي صراحة أنه "لم يتم تنفيذ عمليات على البطاقة"، ويحاول تبرير الاختراق بوجود "تعاملات سابقة" مع أمازون، في محاولة بائسة للإيحاء بأن البطاقة لم تُخترق بل تم استخدامها بشكل اعتيادي بناءً على تاريخ سابق.
🔍 الأدلة المحاسبية تدحض الإنكار (The Ledger Doesn't Lie)
إن محاولة البنك ربط الاختراق بتعاملات سابقة هي مغالطة منطقية وقانونية لا تصمد أمام التدقيق المحاسبي. بمراجعة الكشوفات الداخلية للبنك، تتضح الحقائق التالية:
الفصل بين الكيانات (Separation of PANs): الدليل المرفق في "C2511049987-2.jpg" يوضح بالفعل وجود عملية سابقة مع "Amazon SA" بتاريخ 6 يوليو 2022. ولكن، وكما يظهر بوضوح في عمود (Display PAN)، هذه العملية تمت على البطاقة المنتهية بـ (1174).
الجريمة وقعت على معرف مختلف: الاختراق ومحاولات الشراء غير المصرح بها (والتي هي جوهر القضية) لم تحدث على البطاقة (1174)، بل حدثت على بطاقة جديدة تم إصدارها لاحقاً وتحمل رقماً مختلفاً. محاولة البنك تبرير اختراق بطاقة جديدة بوجود تعاملات سابقة على بطاقة قديمة هو أشبه بتبرير سرقة منزل بحجة أن اللص زار منزلاً آخر في نفس الشارع قبل ثلاث سنوات!
الاعتراف الضمني بإصدار البطاقة (The Reissue Paradox): رد البنك في ساما يعترف بإعادة إصدار البطاقة. وبالعودة إلى كشف الحساب "C2511049987 رد بنك الرياض في ساما على الشكوى الجديده.jpg"، نجد أن البنك فرض رسوم "إصدار بدل فاقد/مسروق" (LOST STOLEN REP) بتاريخ 21 مايو 2025 على البطاقة المنتهية بـ (1233)، قبل حتى أن يتم تفعيلها أو استلامها، وقبل تاريخ الإبلاغ الفعلي (22 مايو).
⚖️ الأبعاد القانونية لهذا التلاعب
إن تقديم إفادة للبنك المركزي تتجاهل عمداً تسلسل إصدار البطاقات (من 1174 إلى 1233 إلى 1795) وتعتمد على خلط المعرفات (PAN Spoofing) لتبرير الخرق الأمني، يمثل انتهاكاً صارخاً لمتطلبات الشفافية.
تضليل الجهات الرقابية: محاولة البنك توجيه أنظار "ساما" نحو تعاملات قديمة على بطاقة منتهية لصرف النظر عن الجريمة الأساسية (تسريب بيانات البطاقة الجديدة 1233 قبل وصولها للعميل) هو تضليل متعمد يمس بنزاهة التحقيق.
انهيار المنطق الأمني: إذا كان البنك يعتقد حقاً أن وجود تعاملات سابقة مع تاجر معين يُبيح اختراق أي بطاقة جديدة يصدرها العميل مستقبلاً، فهذا إقرار بانهيار كامل للبنية التحتية الأمنية للبنك (PCI-DSS)، حيث يعني ذلك عدم وجود أي فصل أو حماية للبطاقات المُصدرة حديثاً.
الخلاصة:
رد البنك ليس استغباءً للعميل فحسب، بل هو استخفاف صريح بذكاء الجهات الرقابية. الأرقام في قواعد بياناتهم تفضح تسترهم، وربط اختراق بطاقة حديثة بتعاملات على بطاقة قديمة هو دليل إدانة يثبت أن البنك يفتقر إلى أبسط معايير التحقيق الجنائي المالي، ويفضل اللجوء إلى "الترقيع الإداري" بدلاً من مواجهة الخرق الأمني من الداخل.